حوار مع الكاتبة مايسة باي [fr]

JPEG

مايسة باي من بين أكبر الكتاب الجزائريين باللغة الفرنسية، اكتشفها الجمهور خلال التسعينيات. هل يمكن أن تقولي لنا كيف اخترت الأدب ؟ هل كان لمأساة العشرية السوداء دور في ذلك ؟

هذا التساؤل يعيدني إلى خبرتي كقارئة أكثر من خبرتي ككاتبة. أنا أقول هذا بكل صراحة لم يكن لدي أبدا ما نسميه ”الملكة الأدبية“، أكثر من هذا، فتربيتي والقيم العائلية التي ترعرعت فيها لسنوات كانت توجهني نحو الصمت الذي نقول أنه حلة المرأة. غير أنني تعلمت كيف أحلل العالم، من خلال الكلمات. فالكلمات هي الوسيط بين رؤيتي للحقيقة وبين الحقيقة ذاتها، كل ما أعرفه عن الناس، عن العالن، عن نفسي تعلمته في الكتب أي بوساطة اللغة. خلال طفولتي كنت أولي أهمية كبيرة لتسمية الأشياء لكي أتمكن من ملكها، بل لأتأكد من حقيقتها، وكأن الأشياء والأشخاص والأحداث لم تكن لتوجد لولا أسماءها. ثم اكتشفت بعدها سحر الشعر، الذي يسمح برؤية العالم في شكل آخر ويفصح عن التطابقات السرية، حتى دفعني ذلك لأن أغيّر المظاهر بإعطائها حقيقة أنا الوحيدة التي تتحكم بها وأكون حرة في تصحيح عيوب الواقع أو ملئ فراغاته بأجزاء من نسج الخيال، ولم يكن ذلك بالصعب عليّ... وقمت بذلك خلال العشرية السوداء عندما غرقنا في المأساة. بالنسبة لي، التزام الصمت في ذلك الوعد كان بمثابة تواطئ، فكانت الكلمات، ولا تزال، خَلاصًا فقد ساعدتي على جلب الترتيب للفوضى التي كنا نعيشها يوميا.

حيزية، شخصية روايتك الأخيرة التي تحمل الاسم ذاته، هي شابة تحلم بصنع قدرها في عالم متصارع ومظلم. فبعد رواية ”بما أن قلبي قد مات“ ها أنت تستكشفين بعدا جديدا لمكانة المرأة في المجتمع الجزائري بشكل خاص والمجتمع العربي بشكل عام. هل الكتابة بالنسبة لك هي وسيلة شعرية لتمرير رسائل سياسية ؟ هل تنكرين أنك كاتبة نسوية ؟

كيف يصبح شيئا شخصيا كالكتابة، خاصة عندما يتعلق الأمر بامرأة، أمرا سياسيا ؟ الكاتب المغربي والمغاربي الطاهر بن جلون كتب في روايته ”حرودة“ أنه يجب أن ”نقول الكلمة لمجتمع لا يريد أن يسمعها، بل ينفي حتى وجودها إذا تجرأت وأن أخذتها المرأة (...) الكلمة، هي اتخاذ موقف في مجتمع يرفض إعطاء الكلمة للمرأة (...) أخذ الكلمة، أخذ المبادرة لإلقاء خطاب حتى وإن تم ذلك رغما، فإن ذلك بمثابة موقف سياسي، تحد حقيقي لما هو مسلم به“.

ربما هذه هي مكانة الكتابة، هي كالرغبة في دخول حلقة المتكلمين، التي لا مكانة فيها للمرأة بحكم التقاليد. أيا كان النوع الأدبي الذي ننتمي إليه، الخيال أو تحليل الواقع، الكثير يرون هذا التدخل كنوع من التحريض ويتهمون الفاعل بأنه تعدى على القواعد الموضوعة، والمحددة والمعترف بها، لقد خرقها.

بداياتي في الكتابة كانت، بشكل كبير، بفضل رغبتي في استكشاف وجعل الآخرين يستكشفون العالم النسوي بشكل مغاير. فالكتابة تسمح باكتشاف أو رفع الستار عن عالم مشوه بالتصورات الخاطئة.

صورة المرأة العربية الخاضعة، الضحية الراضية هي صورة يتم استغلالها لإرضاء قرّاء يبحثون عن الجديد، وهي تعزز تلك التصورات الخاطئة، وحتى لو كانت اليوم تطابق الواقع أحيانا، يجب تجاوزها. الواقع اليوم مغاير تماما لهذه الصورة، وإن كانت هناك بنود رجعية في قانون الأسرة لا يزال معمول بها تريد أن تجعل من مواطنات هذا البلد قاصرات مدى حياتهن.

فيما يخص وصفي بالنسوية، فأنا لا أضع نفسي ضمن هذا التصنيف، في الحقيقة أنا لا أحب التصنيفات فهي تضر أكثر مما تنفع وقد أضرت كثيرا بالإنسانية. قد يذهب البعض للقول بأني الناطقة باسم النساء، بأي حق ؟ لدي حياة، لدي صوت تحمله حياة أخرى وأصوات أخرى، وهذا هو المهم بالنسبة لي.

خلال عدة سنوات، لاقت الكتابة باللغة الفرنسية عدة انتقادات. كاتب ياسين يصفها بقوله ”غنيمة حرب“. كيف تعيشين اليوم هذه الإشكالية ؟ هل تظنين أنها لا تزال قائمة ؟

فينوس خوري غاتا، روائية وشاعرة لبنانية تتكلم عن لغتيها، العربية والفرنسية، وتقول ”هما لغتان تسكنانني وأسكنهما“. نعم، هاتان اللغتان هما جزء مني وتحددان علاقتي مع العالم. إن أردت أن أحدد علاقتي مع اللغة الفرنسية، أقول كما قال الشاعر الجزائري جمال الدين بن شيخ، مترجم ”ألف ليلة وليلة“ الذي يحدد علاقته باللغة الفرنسية بقوله ”تواطئ متبادل“.
دائما ما أقول بأن اللغة الفرنسية بالنسبة لي هي لغة طبيعية، بأتم معنى الكلمة، لأنها تأتيني بعفوية، بدون جهد، بدون أي ترجمة سواء أكانت إرادية أو لاإرادية، ولا استنساخ. فاللغة الفرنسية من طبيعة الأشياء التي بنتني طبقة فوق طبقة، فهي بالنسبة لي وللكثيرين إرث لا يمكن نكرانه من تاريخ شخصي وتاريخ جماعي.

عندما أرى الجيل الجديد من الكتاب باللغة الفرنسية والذين يكتبون اليوم بدون أي عقدة وبدون تساؤل، أعتقد أن هذه الإشكالية قد ولّت.

آخر تعديل يوم 06/07/2017

أعلى الصفحة