حوار الوزير الأول، برنارد كازنوف، مع يومية الخبر [fr]

ذكّر الوزير الأول الفرنسي، برنارد كازنوف، في حوار لـ"الخبر" بالتطور الذي عرفه التعاطي مع ملف الذاكرة بين الجزائر وباريس، مغتنما فرصة حواره مع “الخبر” ليعبّر عن رغبته “في أن نواصل هذا العمل حول الحقيقة”. وأوضح كازنوف، الذي يصل غدا إلى الجزائر في زيارة رسمية، بأن “فرنسا والجزائر تتقاسمان النظرة ذاتها بشأن الدول المهددة بعدم الاستقرار، مثل ليبيا”، قبل أن يحيي “الدور الرئيسي الذي تؤديه الجزائر على الساحة الإقليمية من أجل عودة السلم والاستقرار في ليبيا وفي مالي”. كما أكد على أن فرنسا تبقى الشريك الاقتصادي الأول للجزائر “بالنظر إلى نوعية الاستثمارات الفرنسية في هذا البلد، التي بلغت 1,8 مليار أورو سنة 2015”.

عبّرت باريس والجزائر، في عدة مناسبات، عن رغبتهما في بناء شراكة استراتيجية متوازنة.. كيف ترون العلاقات بين البلدين بشكل ملموس؟

العلاقات بين فرنسا والجزائر استثنائية وفريدة بكل ما للكلمة من معنى، بسبب التاريخ المشترك الذي يربط هذين البلدين، وكذلك الثقافة والروابط الإنسانية الكثيفة. يحرص رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند، منذ زيارة الدولة التي قادته إلى الجزائر في ديسمبر 2012، على تشييد شراكة قوية ومستدامة بين بلدينا، مبنية على الاحترام المتبادل، وقد تطوّرت هذه الشراكة وتوسعت لتشمل مجالات أخرى وأعطت ثمارها بشكل ملموس.

ففي الميدان السياسي، نحصي عشرات الزيارات الوزارية بين فرنسا والجزائر، خلال السنوات الخمس الأخيرة. كما تم وضع آليات خاصة لجعل علاقاتنا الثنائية ملموسة وحركية ومستدامة، من بينها اللجنة الحكومية المشتركة رفيعة المستوى، التي انعقدت في ثلاث دورات في فرنسا وفي الجزائر، بالتناوب، لاستعراض وضعية علاقاتنا والوقوف عند ورشات جديدة. أما في الميدان الاقتصادي، فقد تم تطوير عدد من الشراكات، من بينها مصنع “رونو” بواد تليلات، الذي تم تدشينه في نوفمبر 2014، وهنا تعدّ فرنسا رائدة، فقد كانت السبّاقة إلى فتح أول مصنع لتركيب السيارات في الجزائر. النجاح الذي لاقاه المصنع ونسبة الإدماج التي وصل إليها، دليل على أنه يمكننا فعل الكثير معا في هذا المجال. أذكر أيضا اللجنة المختلطة الاقتصادية الفرنسية الجزائرية، وهي هيكل للحوار والمتابعة.

وعلى الصعيد البشري، قامت فرنسا ببذل جهود معتبرة لتشجيع الجزائريين على مواصلة دراساتهم في فرنسا. وبالفعل، فقد تضاعف عدد الطلبة خلال أربع سنوات، من 3.600 طالب سنة 2012، إلى 7.400 في 2016. لطالما كانت الشبيبة من أولوياتنا، ففي مجال التكوين المهني والتعليم، تم إنشاء شبكة من سبعة معاهد للعلوم والتكنولوجية التطبيقية في الجزائر، منذ سنة 2014، بدعم من فرنسا. ويمكن أيضا أن أذكر تعاوننا في المجال الثقافي، فقد استقبلت الجزائر فرنسا كضيف شرف خلال معرض الجزائر الدولي للكتاب سنة 2015. إذا وكما ترون، عدة مجالات تمتد إليها شراكتنا رفيعة المستوى، وأتمنى بصفتي رئيسا للحكومة أن تدوم هذه الشراكة وتتعزز سنة بعد سنة.

بعد مرور أكثر من 50 سنة على استقلال الجزائر، هل تظنون أن العلاقات بين الجزائر وباريس ستصبح عادية؟ هل يمكن تجاوز المشاعر التي تغذيها العلاقات التاريخية المتضاربة، مصدر العديد من الاختلافات ؟

خلال زيارة الدولة التي قادته إلى الجزائر في ديسمبر 2012، عبّر الرئيس هولاند عن رغبته في أن تفتح الجزائر وفرنسا صفحة جديدة في تاريخهما، مع الاعتراف بأن هذه العلاقة التي تم إعادة بنائها وفق المعطيات الجديدة، لا يمكن أن تبنى إلا على أساس الحقيقة التاريخية. وفي هذا الصدد، تم تحقيق تقدم هام منذ خمس سنوات.

كما أن الرئيس هولاند اعترف أمام البرلمان سنة 2012 بالمعاناة التي عاشها الشعب الجزائري على يد الاستعمار الفرنسي، وقام كاتب الدولة المكلف بالمحاربين القدامى والذاكرة، جون مارك تودتشيني، بتجسيد ذلك الاعتراف حينما تنقل في أفريل 2015، إلى مدينة سطيف للترحم مع نظيره الطيب زيتوني، وزير المجاهدين، على روح سعّال بوزيد، أول ضحية لمجازر 8 ماي 1945. وفي جانفي 2016، ولأول مرة منذ الاستقلال، قطع وزير المجاهدين الجزائري الحوض المتوسط، وقام بزيارة إلى فرنسا، وهذا رمز قوي لسِلم الذاكرات. وبعد أشهر قليلة من تلك الزيارة، شارك رئيس الجمهورية في احتفاليات 19 مارس لتخليد ذكرى كل الضحايا المدنيين والعسكريين الذين سقطوا خلال حرب الجزائر، وجمع الذاكرات وتجاوز الأحقاد. وأنا أعبّر اليوم عن رغبتي في أن نواصل هذا العمل حول الحقيقة مع المضي قدما.

فرنسا من بين أهم الشركاء التجاريين للجزائر، كيف تقيّمون عمل الشركات الفرنسية في الجزائر؟

فرنسا هي أول شريك اقتصادي للجزائر، بالنظر إلى نوعية الاستثمارات الفرنسية في هذا البلد، التي بلغت 1,8 مليار أورو سنة 2015. خلافا للدول الأخرى، لا تكتفي فرنسا بالتجارة مع الجزائر؛ بل تخلق القيمة المضافة لهذا البلد، فهي تستثمر وتنتج محليا منتجا “جزائريا” وتشارك في تنويع الاقتصاد الجزائري وتطويره وتخلق الشغل وتجلب المهارات والتكنولوجيات، والشركات الفرنسية المتواجدة في الجزائر تعمل على التكوين المهني للتقنيين والكوادر الجزائريين.
عدة أمثلة يمكن ذكرها، على غرار “أكاديمية رونو” للتكوين في مهن السيارات والمناجمنت، في مجال النقل الحضري يتعلم عدة جزائريين المهارات العالمية لشركات POMA وRATP وSYSTRA وALSTOM.. كما نذكر أيضا، مركز الامتياز في مهن الكهرباء لمجمع “شنايدر”، بدعم من وزارة التكوين المهني الجزائرية، الذي أضحى مرجعية ونموذجا أتمنى أن يحتذى به في كل ربوع الجزائر. في شعبة الحليب، يشارك “دانون” و«لاكتاليس” ومجمع “بال” في تطوير قطاع الصناعات الغذائية، من خلال تشجيع سلسلة الإنتاج والمساعدة على تحسين مردودية المربين.

تشهد منطقة الساحل عودة لنشاط تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وداعش وبوكو حرام ومجموعات مسلحة أخرى.. ليبيا قاب قوسين أو أدنى من الانفجار.. ماذا تقدم فرنسا لمساعدة البلدان المعنية على محاربة هذا الخطر، دون أن يُنظَر إليها على أنها قوة عظمى تريد التدخل العسكري؟ كيف تقيّمون التعاون الأمني بين الجزائر وباريس؟

تتقاسم فرنسا والجزائر النظرة ذاتها بشأن الدول المهددة بعدم الاستقرار، مثل ليبيا؛ فالحل السياسي هو وحده الذي يسمح باستتباب السلم. وعلى أساس هذه النظرة المشتركة، يقوم حوار وطيد بين حكومتينا وبشكل منتظم ومتزايد. هذا، وأغتنم الفرصة لأحيي الدور الرئيسي الذي تؤديه الجزائر على الساحة الإقليمية من أجل عودة السلم والاستقرار في ليبيا وفي مالي، فخطر الإرهاب يتنامى يوما بعد يوم في شكل خلية دولية متفرعة لا يمكن محاربتها بشكل منفرد.

تعلمون ما قمت به عندما كنت وزيرا للداخلية، واليوم بصفتي رئيسا للحكومة لازلت أعتقد بأن هذا الرهان رئيسي بالنسبة لمجتمعاتنا وأنه يجب معالجته بالتعاون مع جميع من يناهضون الوحشية. في هذا المجال، تملك الجزائر، التي عانت ويلات الإرهاب خلال العشرية السوداء، خبرة ثمينة. وأؤكد لكم، دون الخوض في تفاصيل عملنا، بأن المبادلات التي نقوم بها مع الطرف الجزائري مفيدة بشكل كبير.

مشكل الهجرة غير الشرعية لا يزال قائما ومطروحا بشدة في فرنسا وفي أوروبا، وكانت الجزائر وفرنسا قد أمضيتا اتفاقية إعادة القبول.. هل تخططون لتعاون أكبر مع الجزائر في هذا المجال وبأي شكل؟ ما مصير حرية تنقل الأشخاص؟ هل سيتم تحسين ظروف منح التأشيرات؟

ظاهرة الهجرة غير الشرعية تأخذ بالفعل أبعادا لم تشهدها أوروبا منذ عدة سنوات. يجب تحليل هذه الظاهرة ودراستها بشكل شامل، على المستوى الأوروبي والعالمي.

أما فيما يخص التعاون الفرنسي الجزائري، فشراكتنا في هذا المجال قديمة وتعززت في السنوات الأخيرة بالنظر لتنامي الظاهرة. مصالح الأمن المختصة تتحرك على جانبي الحوض المتوسط والمبادلات دائمة ومستمرة على جميع المستويات، تقنيا وسياسيا وفي مجال تبادل الخبرات والمعلومات العملياتية (تزوير الوثائق، شبكات الهجرة...)، فليس هناك جدوى من المقاربة الوطنية المحضة التي لا تأخذ بعين الاعتبار تَعَقُّد المشكل والتداخلات الموجودة بين الدول؛ بل يجب وضع مقاربة مبنية على الشراكة تتجاوز أي أحكام مسبقة، ولكن هذا لا يعني اعتماد مقاربات ساذجة، يجب أن يكون هنالك توازن بين الإنسانية والحزم، فالهجرة تؤدي إلى إفقار الدول مصدر الهجرة؛ إذ تحرمها من قواها العاملة، كما يمكن أن تسبب مشاكل في الدول المستقبِلة، إذ تحس مجتمعاتها بأنها مهددة في قيمها بسبب هذه الهجرة غير المرغوب فيها. يجب مواصلة هذه الشراكة وتعزيزها، إذ أن الهجرة غير الشرعية من شأنها أن تندثر إذا عمل بلدانا من خلال شراكتنا الوطيدة، على خلق هجرة شرعية منتظمة من خلال منح التأشيرات، مع مراعاة الروابط التي تجمع بلدينا.
أما فيما يخص سياستنا في منح التأشيرات، فقد بذلت قنصلياتنا العامة الثلاث في الجزائر جهودا هامة، والأرقام تبرهن على ذلك. ففي سنة 2016، عالجت القنصليات العامة في الجزائر العاصمة، وعنابة ووهران ما يقارب 600.000 ملف طلب تأشيرة، ومنحت حوالي 410.000 تأشيرة للجزائريين.

للتذكير، ففي سنة 2012 تم منح 210.000 تأشيرة، و330.000 سنة 2014. تستنتجون إذا أن الأرقام تضاعفت خلال أربع سنوات فقط، وهذا دليل على حيوية علاقاتنا الثنائية.

آخر تعديل يوم 05/04/2017

أعلى الصفحة